عبد الوهاب الشعراني
234
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وكان رضي اللّه عنه يقول لا تشكو لأحد ما نزل بك من ضر كائنا ما كان صديقا أو قريبا ولا تتهمن ربك قد فيما فعل فيك ونزل بك من إرادته بل اظهر الخير والشكر ولا تسكن إلى أحد م الخلق ولا تستأنس به ولا تطلع أحد على ما أنت فيه لا فاعل سوى ربك وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ « 1 » وأحذر أن تشكو اللّه وأنت معافى وعندك نعمة ما طلبها للزيادة تعاميا لما له عندك من النعمة والعافية ازدراء بها فربما غضب عليك وأزالها عنك وحقق شكواك وضاعف بلاءك وشدد عليك العقوبة ومقتك وأسقطك من عينة ، وأكثر ما ينزل بابن أدم من البلايا لشكواه من ربه عز وجلّ وكان رضي اللّه عنه يقول لا يصلح لمجالسة الملوك إلا المطهر من رجس الزلات والمخالفات ولا تقبل أبوابه التعالى إلا طيبا من الدعاوى والهوسات وأنت يا أخي غارق ليلا نهارا في المعاصي والقاذورات ولذلك ورد " حمى يوم كفارة سنة " فالأمراض والشدائد جعلها اللّه تعالى مطهرات لك لتصلح لقربه ومجالسته لا غير وقد ورد أيضا " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ودوام البلاء خاص بأهل الولاية الكبرى وذلك ليكونوا أبدا في الحضرة ويمتنعوا من الميل إلى غير اللّه تعالى ثم إذا دام البلاء بالعبد قوى قلبه وضعف هواه . وكان رضي اللّه عنه يقول أرض بالدون ولا تنازع ربك في قضائه فيقصمك ولا تغفل عنه فيسلمك ولا تقبل في دينه بهواك فيرديك ولا تسكن إلى نفسك فتبلى بها وبمن هو شر منها ولا تظلم أحدا ولو بسوء ظنك به وحملك له على محامل السوء فإنه لا يجاوز بك ظلم ظالم وكان رضي اللّه عنه يقول إذا وجدت في قلبك بغض شخص أو حبه فاعرض أفعاله على الكتاب والسنة فإن كانت محبوبة فيهما فأحبه وإن كانت مكروهة فأكرهه لئلا تحبه بهواك وتبغضه بهواك قال تعالى وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 2 » ولا تهجر أحدا إلا اللّه وذلك إذا رأيته مرتكبا كبيرة أو مصرا على صغيرة ، قلت : ومعنى رأيته مرتكبا كبيرة : العلم بذلك ولو ببينة فلا يشترط في جواز الهجر رؤية الهاجر لذلك العاصي ببصره ولذلك قال سيدي على الخواص رضي اللّه عنه شرط جواز الهجر علم الهاجر بوقوع المهجور فيما هجر لأجله يقينا لا
--> ( 1 ) سورة الأنعام : آية 17 . ( 2 ) سورة ص : آية 26 .